الباب الحادي عشر الدرس 15
أقول : المطلب الأقصى ، والعمدة العليا في هذا الفن هو إثبات الصانع تعالى ، فلذلك ابتدأ به ، وقدم لبيانه مقدمة في تقسيم المعقول ، لتوقف الدليل الآتي على بيانها .
قسم المصنف المعقول إلى ثلاثة أصناف ترجع إلى الوجود بالذات والإمتناع بالذات والإمكان بالذات وقلنا فيما تقدم هل المراد للمصنف هاهنا أن يقول أن المعقولات في مرتبة وفي مقام الإمكان والثبوت يحتمل في حقها أن تكون على ثلاثة أنحاء بحسب الإمكان و بحسب المعقولية أو أراد أن يتكلم عن أمر وراء ذلك وهو أن الذي يمكن أن يكون معقولا بلحاظ ما يتحقق من الصور الذهنية الحاكية عن نفس الأمر والواقع يكون على ثلاثة أنحاء إما أن يكون المتصور من نفس الأمر والواقع ويكون الوجود عين ذاته وعين هويته لا لازماً له ،أو يكون المعقول بما هو حاكٍ عن نفس الأمر والواقع فيكون الوجود بالقياس إليه ممتنعا أي لا يمكن أن يوصف أي يعرض عليه الوجود أو يكون المعقول الحاصل في الذهن بما أن الذهن حاكٍ عن نفس الأمر والواقع هذا المعقول الحاصل بالذهن إذا نسب إلى الوجود كان الوجود متساوي الطرفين بالنسبة إليه يعني يمكن أن يوصف بالوجود ويمكن أن لا يوصف بالوجود لأنه بحسب ذاته لا اقتضاء وما كان بحسب ذاته لااقتضاء كان الإمكان لازماً لماهيته وإذا كان الإمكان لازماً لماهيته لا يخرج عن لااقتضاءه الذاتي إلا لسبب وعلة فبأمر أجنبي وبأمر غيري يصبح واجباً لوجوب العلة ولأمر غيري وهو لإمتناع العلة يكون ممتنع الوجود فإذن الحقائق المتصورة في الذهن بلحاظ كون الصور الذهنية إنما تكون مرآة حاكية عن نفس الأمر والواقع ما يكون في نفس الأمر والواقع يكون على ثلاثة أنحاء إما واجبا بذاته أو ممتنعا بذاته أو ممكنا بذاته يخرج عن لااقتضاءه الذاتي بواسطة سبب وعلة إلى طرف الوجود إذا حصلت العلة تكون مرجحة لوجوده وإذا امتنعت علة وجوده يصبح ممتنعا، فوجوبه بالغير وإمتناعة بالغير وبحسب ذاته هو ممكن إي بحسب ذاته هو لااقتضاء إذا كان هذا هو المراد للمصنف فهاهنا يصبح هذا الكلام دليلاً على وجود الواجب سبحانه وتعالى أي أن الحقائق المتصورة بما أن الذهن كمرآة يحكي نفس الأمر والواقع منها ما يكون معقولاً في الذهن وهو إما من الذوات و الماهيات وإذا كان ذاتاً وماهية فهذه الذات والماهية بحسب نفسها ليست إلا هي لا موجودة ولا معدومة و هذه الماهية سواء كانت ذاتاً وماهية إنسانية، حيوانية، أو ماهية سماء أو أرض ، أو حجر أو ملك أو أي ماهية من الماهيات بمعنى أن أي معقول من المعقولات الماهوية لما كانت الماهية بحسب ذاتها لااقتضاء لا تكون واجبة بالذات فإذن الوجود إذا نسب إليها يكون حال الوجود بالنسبة إليها ليس بلازم ولا بممتنع بل يلزم لمرجح خارجي لتلك العلة ويمتنع لإمتناع خارجي لإمتناع تلك العلة هذا هو شأن كل معقول ماهوي فسواء تصورنا السماء أو الأرض، أو تصورنا أي شيء من الممكنات من ملك أو من عالم طبيعة فهذه الحقائق جميعاً لأنها ماهيات بحسب ذواتها بما لها من الماهية، الماهية المعقولة المتصورة في الذهن بحسب ذاتها من لوازمها الإمكان فهي لااقتضاء الذات وإذا كانت كذلك كان الوجود المنسوب إليها ليس بلازم لها لأن الوجود لو كان لازماً لها لأصبحت واجبة بالذات ولو أن العدم كان لازماً لها لأصبحت ممتنعة بالذات فإذن إمتناعها ووجوبها غيري وذاتها لااقتضاء هذا هو شأن اكثر الحقائق لأن الماهية من حيث هي هي ليست إلا هي، فالإنسانية التي هي ماهية من الماهيات من حيث هي هي ليست إلا الحيوانية والناطقية والحيوانية والناطقية جنس وفصل ليس الوجود دخيل فيهما ولا العدم دخيل فيهما بل هذه مفاهيم وماهيات لا اقتضائية لأن إعطاء الشيء لنفسه وسلب الشيء عن نفسه محال فلا تسلب الإنسانية عن الحيوانية الناطقيةو لا تسلب الإنسانية عن الإنسانية ولا تعطى الإنسانية للإنسانية، فلا يمكن أن نعطي الإنسانية للإنسانية لأنه من باب إثبات الشيء لنفسه وإثبات الشيء لنفسه ضروري ولا تسلب الإنسانية عن نفسها لأن سلب الشيء عن نفسه محال فإذن إذا كان هذا هو واقع الأشياء بحسب التصور نأتي وننظر إلى الحقائق فلا نجد حقيقة من الحقائق لا يمكن أن تعطى الوجود ولا يمكن أن يسلب عنها الوجود إلا ماهو المتصور من مفهوم الوجود،و لما كان الوجود بالنسبة إلى المعقولات الماهوية عارضاً عليها لأمر وسبب خارجي وكل حقائق عالم الإمكان هي كذلك فلابد وأن يكون الوجود لنفسه ثابتا بلا أن يكون قد عرض على نفسه بعارض لأن ثبوت الشيء لنفسه ضروري والوجود بإطلاق الكلمة أي بما هو يستحق حقيقة الوجود بلا سببية وبلا عروض عارض هو الوجود لنفسه.
الإنسانية هل هي موجودة أو ليست بموجودة ؟ الحجر والسماء والأرض هي موجودة أو ليست بموجودة؟ لأن الوجود غير السماء والأرض ولما كانت هناك زيادة وغيرية احتاج الوجود في العروض عليها إلى سبب يكون هو المحقق لهذا العارض والمحمول في عروضه على محموله وهي الماهية لكن الوجود للوجود لا يكون عارضا لسبب وكما قلنا من أن الشيء لا يعطى لنفسه ولا يسلب عن نفسه فأين هذه الحقيقة وهي الوجود بإطلاق الكلمة؟ نقول لا تكون حقيقة الوجود في أي وجود كان زوجاً تركيبيا لأن ما كان زوجاً تركيبيا كان مركباً من وجود وماهية بالتأمل العقلي وما كان هكذا كان وجوده عارضا على ماهيته فإذن الوجود بإطلاق الكلمة ، الذي لا يعطى لنفسه ولا يسلب عن نفسه لايعقل إلا فيما كان وجوداً بدون أن يتقيد بوجود سماوي أو بوجود أرضي وهو حقيقة الوجود الواحدة الحقة الصمدية التي هي حقيقة الوجود في مقابل العدم والطاردة للعدم أزلاً وأبداً.
فالحقيقة الطاردة للعدم هي حقيقة واحدة بنفسها كانت حقيقة عينية وجودية وما كانت حقيقة عينية وجودية لا تعطى الوجود ولا يسلب عنها الوجود فهذه الحقيقة هي الطاردة للعدم ولو كانت متحيّثة بحيثية ماهوية حدية لما كانت هي حقيقة الوجود ولكانت أمراً إمكانياً وكان الوجود عارضا عليها فإذن حقيقة الوجود بما هي هي لا تكون عارضة بنفسها بواسطة لنفسها وهذه الحقيقة هي حقيقة الوجود بإطلاق الكلمة في مقابل العدم وإذ لم تكن حقيقة ماهوية محدودة بحد كانت هي الوجوب الذاتي وإذا كانت وجوباً ذاتياً لابد وأن تكون لا متناهية لأن المتناهي محدود وإذا كانت لا متناهية وحقيقة إطلاقية وجودية في مقابل العدم لا يمكن أن تتثنى أو تتكرر فحقيقة الوجود بما هي هي بوجوبها الذاتي الأحدي الصمدي لا تثني ولا تكرر لحقيقتها وإذا لم تكن متثنية ومتكررة إذن لا شريك لها فإذن لعل المصنف أراد أن يقول أن المتصورات الذهنية بلحاظ حكايتها ومرآتيتها عن نفس الأمر والواقع تكون على ثلاثة أنحاء إما ما هو الوجود بما هو وجود ونسبة الوجود للوجود ضرورية لا تعطى للوجود ولا تسلب عن الوجود ومثل هذه الحقيقة هي الوجود بما هو وجود و الوجود ضروري لها، لأن الوجود عين حقيقتها وإذا كان كذلك كانت حقيقة واحدة لأنها لو فرضت متثنية ومتكررة لكانت محدودة ولو كانت محدودة لكانت إمكانية فحقيقة الوجود التي الوجود لازم لها والتعبير باللازم من التسامح في التعبير، حيث أنها الحقيقة التي هي عين وواقع الوجود بلا سبب وعارض في مقابل العدم بما هو عدم فهي حقيقة واحدة لا تتثنى ولا تتكرر وكل الحقائق الأخرى والمعقولات الأخرى إذا نسبنا إليها الوجود وجدنا نسبة الوجود إليها من باب العارض والمعروض وكل ما كان نسبة الوجود إليه من باب العارض والمعروض كان الوجود بالنسبة إليه ليس بذاتي بل بالغير وكان الإمتناع بالنسبة إليه أيضا بالغير.
وهناك ما هو ممتنع بالذات وهو شريك الباري أي شريك واجب الوجود،و قد قلنا أن حقيقة الوجود بما هي هي بديهية، بلا أن يضاف إليها الوجود السماوي أو الأرضي ، فإذا كانت حقيقة الوجود في مقابل العدم بديهية فهذه الحقيقة بإطلاقها وبدون أن تقيد بقيد من القيود هل هي تنطبق على سماء أو أرض؟ نقول كلا، هذه لا تنطبق عليها حقيقة الوجود وحقيقة الوجود لا تكون إلا حقيقة واحدة لأن الوجود حقيقة واحدة في مقابل العدم، فذات الله U بلحاظ كونها ذاتاً متحققة وجودية في مقابل العدم تعقل ولذا نتصور الحق بما هو في مقابل العدم لكن التفكر في كنه الله تعالى محال.
فلو كان الله سبحانه وتعالى لا يعقل أبداً لما كلفنا بتكليف لكن نقول الله واحد، والله واجب، والله لا متناهٍ، والله صمد، والله موصوف بأنه حي وأنه مريد وأنه سميع وهذه حقائق و تصورها أمر فطري نحن مُنعنا من التفكر في ذات الله سبحانه وتعالى.
ماهي واقعية اللانهاية؟ ما هي واقعية الصمدية؟ ما هي واقعية الوجود الإلهي؟، هذه الأشياء مُنعنا منها لأن المحدود وهو الوجود الإمكاني لا يتمكن أن يتصور الوجود اللامحدود اللامتناهي لكن مفهوم اللامحدودية بديهي، مفهوم الوجود في مقابل العدم بديهي، مفهوم كونه لابد وأن يكون هذا الوجود الإمكاني لأنه وجود تعلقي الذات لابد وأن يكون مرتبطاً بوجود مستقل بديهي،حقيقة الإستقلال، حقيقة اللاتناهي، حقيقة الوجوب الذاتي، حقيقة الصمدية وأمثال هذه الأمور لايمكن أن تعرف بكنهها لكنها بمفهومها الذهني تدرك، وإلا لما كلّفنا بمعرفة الحق و لكان التكليف بالنسبة إلى التوحيد من التكليف بالأوهام والخيالات، فإذن الحق تعالى بلحاظ كنهه هو ليس بممكن أن نعقله لأنه ليس من الممكنات لكن أصل الوجود في مقابل العدم وأن الوجود الإمكاني الرابط لابد وأن يتعلق بوجود مستقل وأن حقيقة الوجود بما هي وجود لا تتناسب بإطلاق الكلمة مع هذه الموجودات الإمكانية بل لابد وأن تكون لوجود أصيل، الوجود لا يعرض عليه ولا يسلب عنه وإلا للزم الدور أو التسلسل و هذه بديهيات أولية.
فالوجود الرابط هو الذي يحتاج في تحققه إلى علة والوجود المستقل هو الذي لا يحتاج في وجوده إلى علة فإذن الحكماء إنما جاءوا ليقولوا إن الوجود الإمكاني وجود رابط والوجود الرابط هو محض التعلق والفناء وما كان محض التعلق والفناء لا يمكن أن يحصل على الإستقلالية بأي فرض من الفروض، فالحكماء لا يريد قائلهم أن يقول إن الحق مع الممكنات شيء واحد لأن الوجود الرابط مع المستقل ليسا بشيء واحد و إنما جاء الحكماء والعرفاء ليقولوا إن الوجود الرابط لااستقلالية له لأنه محض التعلق وجاء العرفاء ليقولوا بكلماتهم إن الإستقالية لا يمكن أن تفرض للمظاهر وكل هذه الممكنات إنما هي مظاهر الأسماء والصفات الإلهية، وما كان مظهراً وتجلياً للأسماء والصفات لا يمكن أن نعطيه إستقلالية فإذن هو محض التجلي أي محض الظلية والفناء والتبعية للحقيقة الذاتية وهي الله U لكن لما كان التمثيل بالأمور الحسية وأراد الفيلسوف أو العارف أن يقرّب المطلب بالأمر الحسي لكي يكون الحس سبباً للتنبه إلى الحقيقة جاء الكثير من النقاد فأوردوا الإشكال على الفلاسفة والعرفاء، الحكيم مثلاً القائل بأن الوجود هو الأصيل وأنه حقيقة واحدة مشككة ذات مراتب من أجل أن ينبه الإنسان حاول أن يضرب مثالاً حسياً لكي يكون المثال الحسي سبباً لإنتقال الذهن إلى الحقيقة الوجودية، فقال كالنور الحسي فلما مثّل بالنور الحسي و النور الحسي من عالم الطبيعة وعالم الطبيعة حقيقة واحدة وإن اختلفت بالشدة والضعف يعني هذا نور بدرجة وهذا نور بعشر درجات وهذا نور بمائة ألف درجة لكن من جهة أصل حقيقة النورية حقيقة واحدة توجه الإشكال على القائلين بأن الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب ظناً منهم أن الفيلسوف يريد أن يطبّق كل ما هو على النور الحسي على النور المعنوي في حين أنه ما أراد الفيلسوف إلا أن يصور المعاني العقلية بأمثلة حسية وأن يحضرها في الذهن ومن المعلوم أن التعابير قاصرة في بعض الأحيان عن أداء المعاني الدقيقة الحكمية العقلية أو العرفانية إلا بمثال قد يكون صعباً أن ينتقل إليه المتلقي بسهولة للمعاني الدقيقة الفلسفية أو العرفانية فجاءوا بالنور الحسي مثالاً لتلك المعاني الدقيقة ليكون سبباً لينتقل الإنسان من النور الحسي إلى النور المعنوي والله هو نور السماوات والأرض فما أراد قائلهم أن يقول أنا مع الله تعالى شيء واحد لا يقول بهذا أي إنسان قرأ سطرين من الفلسفة أو العرفان أو عرف من كتاب الله حرفين، فكيف يقول القائل بالإتحاد أو الحلول أو أن الممكنات هي الواجب وهو يقول بأنها وجودات رابطة، فكيف يكون الوجود الرابط وجوداً مستقلاً ،كيف يكون الوجود الحرفي وجوداً إسمياً، كيف يكون الوجود الظليّ وجوداً حقيقياً واقعيا صمديا .
الحلول والإتحاد يكون بين شيء وآخر،وقد يكون هناك بين شيء وآخر حالة ظرف ومظروف،فما نسب إلى العرفاء أو الفلاسفة في بعض الأحيان غير صحيح وبالأخص ما يرجع إلى الحق جل جلاله وما ادّعي من اتهامهم بالقول بالحلول أو وحدة الوجود الباطلة وإن أمكن أن تنسب مثل هذه الشبه والأباطيل بالنسبة إلى بعض من ينسب نفسه إلى الفلسفة أو العرفان وهو في الحقيقة لا يعرف منهما شيئا وأما الفلاسفة والعرفاء المتألهون فمثل هذه النسب بعيدة عنهم ، نعم لعل هناك جاهلا يتكلم بكلمات لا يفهم ما يقول فهذا أمر محتمل بالنسبة إلى بعضهم،وقد يكون الشخص متفلسفاً وليس بفيلسوف فيتكلم بكلمات ظاهرها الوحدة أو الحلول أو الشرك أو ما شاكل هذه الأباطيل، وقد يأتي من ليس بعارف ينسب نفسه إلى العرفان لأنه قرأ يوماً أو يومين أو سنة أو سنتين كتاب عرفانٍ فظن نفسه عارفا فجاء ليقول إن الحقيقة الوجودية هي واقعاً كالبحر وأمواجه من باب التطبيق على البحر وأمواجه حقيقة ،فالبحر هو عين الأمواج والأمواج هي عين البحر فتأتي الشبهات على أنه إذا كانت الأمواج هي مرائي لحقيقة البحر فإذن الوجودات الإمكانية هي نفس وجود الحق سبحانه وتعالى لأن البحر مع أمواجه شيء واحد فهذه الكلمات إن كانت من عارف حقيقي فلا يمكن أن يقصد منها إلا الظاهر والمظهر للتجلي والمتجلي وإن كانت من شخص نسب نفسه إلى العرفان لعله يقصد على أنه هو الله وأن الله هو لأن حقيقة الله هي الكائنات بما هي هي، نحن نتكلم بالنسبة إلى العرفاء والفلاسفة و أما الجهلة الذين نسبوا أنفسهم إلى الفلسفة والعرفان فهم كالجهلة الذين ينسبون أنفهسم إلى الفقه والفقهاء وما اكثرهم في زماننا هذا، فرب إنسان ينسب نفسه إلى الأصول وليس بأصولي وهكذا، فنحن لا نتكلم بالنسبة إلى الذين ينسبون أنفسهم إلى العلم.
أنا ما وجدت في كتب الفلاسفة والعرفاء من يقول بالحلول أو الإتحاد أو ما شاكل هذه الأمور، بلي إصطلاحات بعضهم قد توجب الشبهة كأنا الله، أو ليس في جبتي إلا الله، أو سبحاني سبحاني ما أعظم شأني، فهذه كلمات صدرت من بعضهم فسميت بشطحات العرفاء، لكن ما المراد منها؟ هل المراد منها أن العارف هو الله؟ نقول كلا بل يريد أن يقول بعض هؤلاء وإن كانت الكلمات من الشطحات التي لا ينبغي صدورها من أحد بأن الحقيقة هي الوجود الشخصي والوجود الشخصي بمرتبة هو ذات الحق سبحانه وتعالى وبمرتبة هو غيب الغيوب الذي لا يمكن أن يتصوره متصور لأنه لا رسم ولا إسم له وبمرتبة هو ذاته الصمدية وبمرتبة بما له من الأسماء والصفات لكن التعبير على كل حال فيه تسامح.
فالمرتبة الأولى هي غيب الغيوب ومرتبة الوجود بما هو وجود وهناك مرتبة يعبر عنها بالأحدية ومرتبة أخرى وهي المرتبة الثالثة المعبر عنها بالواحدية وهي مرتبة الأسماء والصفات في مقابل الذات التي قلنا هي مرتبة الأحدية ثم قالوا، ولابد للأسماء والصفات من ظهور ومن تجلٍ ليعرف الله سبحانه وتعالى حيث قال :(كنت كنزاً مخفياً فخلقت الخلق لكي أعرف) فمراد العرفاء من أنا الله أي أنا الله في مرتبة الفعل يعني الله في مرتبة غيب الغيوب لا ربط له بالكائنات، الله في مرتبة ذاته لاربط له بالكائنات،أو المعلولات على اصطلاح الفلاسفة أو بالتجليات والمظاهر على مصطلح العرفاء ،لا في مرتبة غيب الغيوب ولا في مرتبة ذاته وهي الأحدية ولا في مرتبة صفاته وهي مرتبة الواحدية، إذن أين الكلام حينما يقول أنا الله، وليس في جبتي إلا الله، وما شاكل هذه الشطحات وهذه التعابير التي ما كان ينبغي أن تصدر من عاقل لكن صدرت بنحو شطحات أو صدرت بنحو كما يقولون في حالة عرفانية أو ما شاكل هذه الأمور.
ماذا يريد أن يقول العارف في حالته العرفانية؟ يريد أن يقول على أن الله في مرتبة الفعل لأن الفعل مظاهره تعالى وتجلياته فهذه الكائنات وهذه الممكنات في مرتبة الفعل هي الله أي هي الله في مرتبة فعله لا في مرتبة ذاته ولا في مرتبة صفاته ولا في مرتبة غيب غيوبه، هذه الكلمات توجب إيرادات وتوجب شبهات ولست مدافعا لا عن فيلسوف ولا عن فقيه ولا عن متكلم ولا عن عارف لكن أقول دائما يجب علينا أولاً وبالذات أن نفهم مراد المتكلم والمصطلح الذي يريد أن يتكلم على طبقه فمن بعد ما نعرف مراد المتكلم وما ينبغي أن نعتقده طبقاً للكتاب والسنة بعد ذلك إن نقدنا كان النقد علمياً وإن أيدنا كان التأييد علمياً والعالم لا يتطرق إلى فهم ولا إلى تجاوز يخرجه عن الخلق الرفيع، أُمرنا أن نكون نزيهين في كل مراتب وجودنا نزيهين حتى مع الكفار والملحدين ولذا ورد عن الإمام علي عليه السلام عندما رأى المخلصين من بعض أصحابه يشتمون معاوية وأهل الشام قال (لا تكونوا سبابين) السب ليس من شأننا نحن لا نشتم لا شيوعيا ولا كافرا ولا نصرانيا ولا أيَّ مختلف عنا في العقيدة بل من وظيفتنا أن نبين الحقائق وأن نعّرف الحقائق للغير بالدليل والبرهان لكي نكون مسلمين ودعاة للإسلام بالدليل والبرهان فإن وجدنا خطأ لعارف أو لمتكلم أو لمسلم تكلم على خلاف ضروريات ديننا كان من الواجب علينا أن نقف موقفا شريفا بالعلم والدليل والبرهان وإن كانت الكلمات والإختلافات في مذهبنا لا ترجع إلى أسس المطالب أي لا ترجع إلى ضرب ضروريات ديننا فعلينا إن وجدنا اعوجاجا أو وجدنا ما لا يتناسب مع الكتاب والسنة أن نطرح المسألة على طاولة الدليل والبرهان حتى لا يستفيد العدو ونحن نعيش في زمن قد أصبح المسلم يهاجَم في كل جانب من جوانبه فمهما أمكن أن نحفظ الهيكل الشيعي لكي لا يتمزق تمزقا داخليا علينا أن نسعى لحفظ الهيكل الشيعي حتى لا يتمزق اكثر مما هو عليه الآن من التمزق واتهامات بعضنا العبض إلا إذا واجهنا أن إنسانا يريد أن يهاجم ما هو من الضروريات في الدين و المذهب فيجب علينا أن نقف في وجه كل من يريد بإسم التشيع أو الدين أن يضرب أسس الشريعة.
فإن التسارع في النقد في يوم من الأيام ساقنا بأن كفرنا صدر المتألهين وهو من أكابر فلاسفتنا حتى عاش غريبا و مات في البصرة مجهولاً وندرس كتبه اليوم وقد كفرناه يوماً من الأيام ، فالوقوع بين الإفراط والتفريط قد يوقعنا في مشاكل فعلينا أن لا نستسلم إلى الفلسفة ولا إلى العرفان ولا إلى علم الكلام لكن لا نتسارع في نقد العلوم ثم نأتي إليها في يوم آخر، لا القبول الإطلاقي لمثل هذه العلوم بصحيح لأن فيها بعض الأخطاء وهي كلمات بشر ولا الرد الإطلاقي صحيح لأننا قد نحتاجها يوماً من الأيام فيتوجه علينا الإشكال بأنه ما نعرف ما هي موازينكم في التفسير والإيمان؟ فرجل واحد قد كفرتموه بحوزاتكم يوما من الأيام وإذ بكم تجعلونه من الأبرار وتقرءون كتبه في يوم آخر، ما هي ملاكاتكم في الإدخال والإخراج من الدين فيجب أن نتأنى ولا نتسارع حتى لا ندخل في مثل هذه الأمور.
وثانياً الجنة والنار ليستا بأيدينا وإدخال الناس في الدين وإخراجهم ليس بأيدينا أيضا فعلينا أن نتثبت بقدر ما لأن هناك يوم حساب و تكفير الآخرين و إدخالهم في الجنان بحسب الأذواق ليس بصحيح.
فالإحتمالات إذن ثلاثة فمن المفاهيم ما يكون الوجود معقولا له بل واجبا و معقول آخر يمكن أن ينسب إليه الوجود ويمكن أن لا ينسب إليه و هناك ما يكون نسبة الوجود إليه ممتنعا ،و هذا يكون بحثا في الثبوت أي في عالم الإمكان بمعنى أن المعقول يكون على ثلاثة أنحاء، من هو هكذا؟ يكون إثباته في أدلة التوحيد أو نقول الصور المعقولة في الذهن الحاكية عن نفس الأمر والواقع تحكي لنا ثلاثة حقائق منها الوجود بما هو وجود ويجب أن يكون الوجود للوجود ضروريا ومنها ما هي معقولات بحسب ذاتها لا الوجود دخيل ولا العدم دخيل في هوياتها وهي الممكنات ومنها ما لا يمكن أن ينسب إليه الوجود لأنه يقابل الوجود بما هو وجود وهو شريك الباري والوجود بإطلاق الكلمة لا يتثنى ولا يتكرر ، وإما أن يكون الشيء ممكن الوجود لذاته وإما ممتنع الوجود لذاته فإذن المعقولات ثلاث: واجب الوجود لذاته، ممتنع الوجود لذاته، ممكن الوجود لذاته،
أقول : المطلب الأقصى ، والعمدة العليا في هذا الفن هو إثبات الصانع تعالى ، فلذلك ابتدأ به ، وقدم لبيانه مقدمة في تقسيم المعقول ، لتوقف الدليل الآتي على بيانها .
تارة يكون الشيء فطريا بديهيا لأن الإنسان الفطري يدرك الفطريات وتارة تكون النفس بنزاهة وطهارة قوية تشاهد الحقائق وتارة تكون النفس إضافة على مشاهدة الحقائق هي قرآن بمرتبة من المراتب وهؤلاء لا يحتاجون إلى دليل ولا برهان لكن إن كنا نقابل من يحتاج إلى الدليل والبرهان ولا يقنع بنزاهة وطهارة نفسانية للوصول إلى الحقائق وليس بفطري ليلمس الفطرة بنفسه وبذاته لأن الإنسان هو الكون الجامع لجميع الحقائق فلا يمكن أن يستلم حقيقة من الخارج وأن تكون آية أعظم من آية وجوده تدله على الواجب سبحانه وتعالى، فأعظم آية هو الكون الجامع الإنساني فإذن لماذا كتبت كتب الفلسفة ولماذا أقيمت البراهين؟ أقيمت لمن كان لا يتمكن من الوصول إلى الحقائق إلا بواسطة الدليل والبرهان.
أقول المطلب الأقصى والعمدة العليا في هذا الفن هو إثبات الصانع تعالى ولذا ابتدأ المصنف به أي العلامة وبدأ ببيان إثبات الصانع مقدمة في تقسيم المعقول لتوقف الدليل الآتي على بيانها أي على بيان المقدمة وتقرير هذه المقدمة، ما هو المعقول؟ فسّر المعقول بقوله:
وتقريرها : أن كل معقول وهو الصورة الحاصلة في العقل ، إذا نسبنا إليه الوجود الخارجي ، فأما أن يصح اتصافه به لذاته أو لا ، فإن لم يصح اتصافه به لذاته فهو ممتنع الوجود لذاته كشريك الباري ، فإن صح اتصافه به فأما أن يجب اتصافه به لذاته أو لا .
الصور الذهنية أي ما يتصوره الإنسان في ذهنه يكون على ثلاثة أقسام إذا نسبنا إليه الوجود الخارجي، فالذهن يتصور الكثير من الأشياء، يتصور الحق والسماء والأرض ويتصور.... هذه المتصورات لصورها الذهنية إذا نسبنا إليها الوجود تارة يكون الوجود عينها وتارة يكون الوجود عارضا عليها أو يمكن أن يعرض عليها وتارة يكون الوجود يمتنع أن ينسب إليها، فإما أن يصح إتصافه أي المعقول به أي بالوجود لذاته، يعني ذاته تكفي للإتصاف بالوجود كما قلنا إن بعض الحقائق ذاتها تكفي للإتصاف بالوجود فالله سبحانه وتعالى ذاته تكفي للإتصاف بالوجود لأن الوجود ليس عارضاً عليه بل لأن هويته وذاته هي الوجود.
وتقريرها : أن كل معقول وهو الصورة الحاصلة في العقل ، إذا نسبنا إليه الوجود الخارجي ، فأما أن يصح اتصافه به لذاته أو لا ، فإن لم يصح اتصافه به لذاته فهو ممتنع الوجود لذاته كشريك الباري ، فإن صح اتصافه به فأما أن يجب اتصافه به لذاته أو لا .
فإن لم يصح إتصافه أي المعقول به أي بالوجود الخارجي بذاته فهو ممتنع الوجود لذاته،إذا كان لذاته لا يتقبل أن يتصف بالوجود فهذا هو الممتنع، فالنقيضان بحسب ذاتهما لا يمكن أن يتصفا بالوجود،و كذا شريك الباري كما قلنا لا يمكن أن يتصف بالوجود فإن صح إتصافه أي المعقول به أي بالوجود الخارجي فإما أن يجب إتصافه أي ذلك المعقول بالوجود الخارجي لذاته يعني لا لعلة ولا لسبب فذاته إذن تقتضي الإتصاف بالوجود فهو واجب الوجود وإن كان يتمكن أن يوصف بالوجود لكن لا لذاته بل بسبب وعلة فهو واجب بالغير أي ممكن بالذات وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.