الطائفية
سرت الشمس بإستحياء لتطل من وراء الحجب على قصور الخلد بكل سكينة متصاغرة خجلة تتحاشى سوء الأدب حينما أوحى إليها ربها بأنها ستمثل بين يدي مولانا الأجل الأكرم ذي الشرف و العلم و الكمال مظهر العدل الإلهي.
فإمتثلت أمر ربها حيث يكون الإمتثال خيرا من الأدب,يعلوها الإضطراب ويبدو عليها الإرتعاش علما منها بما عليه مولانا من عظم,وكيف لا وهو أمير المؤمنين و ولي أمور المسلمين ,عينهم الساحرة في رعاية مصالح الإسلام في العالمين ومن خوّله أهل السماء قبل الأرض تشخيص مصلحة النظام الإسلامي أدام الله عزوجل ظله الوارف على رؤوس المسلمين.
فأطلت الشمس بنورها الدافيء ساطعة على بعض شرف وستائر غرف في أجنحة قصر على ضفاف البحر ألا وهو قصر السلام و الخلد حينما أثقل ساكنيه عميق نوم في جوار المها و الريم الحسان المبثوثة وردا مختلفا ألوانه على سرر من ذهب وفضة فوقها الديباج و الحرير و الإستبرق حيث النمارق والزرابي تطرز قيعان تلك الغرف التي تباعد أطرافها فكادت أن لا تتجاوز إلا بحسن طيبها و قد وضعت في جوانبها مالا عين رأت ولا أذن سمعت من مختلف لذيذ المآكل والمشارب لمن أنعم الله عزوجل عليهم بواسع لطفه قابلية الأكل والشرب حيث العدل الإلهي بحال العباد تقسيما لأنعمه بحسب القابليات
فسرى ذلك النور مستأذنا على أمير المؤمنين من تلكم الشرف والستائر متأدبا مستقرا بعض الوقت بين يدي مولانا خليفة رسول رب العالمين
وعندها راح النور بكل أطيافه اللوامع يدقدق أجفان مولانا المبارك تحيطه أبعاد الخوف والحذر مستعينا بتغريد العصافير التي هي بادرت أيضا عند الصباح همسا تداعب بإذن العزيز القدير و إلهامه ووحيه مسامع مولانا الأجل الاكرم رضي الله تعالى عنه وأرضاه وتفضل عليه بواسع جنانه بعد طول عمر جزاء وفاقا عطاء من سلطان السماوات والأرض لمن خدم الإسلام والمسلمين وبسط العدل والعلم في الأرضين.
ولكن على الرغم من كل ذلك ما وجدت لنفسها موقعا من سمع و بصر مولانا الأغر تلكم الأنوار والهمسات إلا بعد اللتيا والتي وعندها ملأ السرور أعماقه والشمم أضحى يعانق عنفوان زهوها حيث بلوغ الغايات في جنب ركب سيف الحق بات يرفرف ما بين جوانحها و تموّج البركات أصبح من فم مولانا بطهر أنفاسه يعمها فيضا متدفقا يجعلها تتطلع الى الأفق المبين تألقا نحو السكينة و نسيم الخلد.
وما كان هذا التباطئ من الأنوار والهمسات في التأثير على سمع و بصر مولانا إلا حقا حيث أن الفاعلية لمولانا هي الأصل والأساس قبل القابلية والإنفعال والتأثر بحسب مقتضيات الوجود ومحال جريه فعلا وإنفعالا بمشيئة العزيز القدير.
ولما فتح مولانا عينيه يعلوه النعاس وجد نفسه الى جنب كؤوس زفت إليه ليال الأنس وقد أخذ النهار من يومه مأخذا ,فبادر بحزم العظماء يوقض حشد المثقلين بأعباء السمر بزعيره المعروف المألوف في جمع النواعم الحسناوات اللواتي كأنهن اللؤلؤ والمرجان.
وما أن طرق صوت مولانا المبارك المهاب أسماعهن إلا وجدهن جميعا كحمام السلام يتراكضن بين يديه يمينا وشمالا تلبية لنداء الحق المتجلي على لسان أمير المؤمنين وولي أمور المسلمين أطال الله تبارك وتعالى عمره الشريف وأدام ظله الوارف على رؤوس أمة محمد (ص)بل على البشرية كافة إنه سميع مجيب الدعوات.
ثم عاود سرب الحمام والغزلان تتقدمهن غزيلة تتمايل في مشيها غنجا هي حب أمير المؤمنين وقلبه النابض بعد تنفيذ ما أمرنا به الى سيدهن مولانا الأجل ركعا سجدا يرتدين رقيق الفساتين كل واحدة بما يناسبها من فستان أبيض او أسود او أصفر او أخضر على اختلاف الفساتين طولا وقصرا ليقبّلن أيدي أمير المؤمنين وظل الله عزوجل في العالمين مظهر الجود والكرم قبل أن يلبس عمامته ويرسم المشط كريم محاسنه بما يناسب عز الإسلام ويرتدي قبائه الأسود وينتعل نعاله الأصفرأو الأخضر إذا وجدا الى قدمية سبيلا لينالا بركة من بعض عرق قدميه حيث يصبح عندها مولانا الأجل مصداقا لقول الشاعر:
أنا إبن جلى وطلاع الثنايا ******************************** متى أضع العمامة تعرفوني
وذلك لأنه عند ظهور مولانا بمظاهر الكون على العرش أمام الجموع سيصعب قرب مثل حور العين منه حيث الظهور والتجلي لمولانا يختلف من حال الى حال وعند الإشراق على الأمة يكون ظهوره بآيات الجلال والقهر والهيبة والوقار والعظمة هو الحاكم على بقية أسمائه وصفاته إعزازا لدين الله عزوجل بعيدا عن التبسط والتواضع المألوف لمولانا في قصور الخلد حيث الظهور بمظاهر الجمال وفي مثل هذا المقام العظيم ألا وهو الظهور بمظاهر الجلال والقهر لا يبقى لأمثال النواعم مجال للقرب من ساحة قدس مولانا الأجل,هكذا رصدته مراصد الأفق المبين في مكامن جريه ومسالك عروجه
وعندما تجهّز أمير المؤمنين بكل ما منحه الحق تعالى من مظاهر الجلال للإشراق في مجلس الحكم في دار الخلافة محفوفا بسبع وسبعين بطنا من الحواشي والخدم و الحشم تأسّيا ببطون الكتاب المجيد بما يحمل في طياته من العلم وهي بطونه اللامتناهية توجه عندها ذوالجلالة بركبه المهيب سائرا نحو الغاية بهذه الحشود الميمونة المباركة ببركاته بما تحمل في أعماق قلوبها من إجلال وتقديس للخلافة والخليفة ذي الجود والكرم الذي ما حرم الأمة ثقل وجوده الناسوتي وإن عاش واقع حياته في الملأ الأعلى بأثقال أبعاد وجوده الثلاث الأخر الملكوتية والجبروتية واللاهوتية
أجل ما هي إلا سويعات من الزمن تجلى فيها نور الخليفة بين القصر و دار الخلافة لأمته حتى استقر بمولانا المقام على العرش ليصبح الصمت هو الحكم الفصل تجليا للمولى بمظاهر الحق تعالى حيث يقول (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار)1 وعندها نشف الريق بأفواه الرجال ليصبحوا بكل أبعاد وجودهم إصغاء لسماع أوامر أمير المؤمنين معز دين الله عزوجل في العالمين لينثر على الأمة الدررالمكنون بكلماته القصار ,لكن قبل ذلك أذن الخليفة للشعراء أن ينشدوه ما جادت به قريحتهم الغراء إعزازا للدين بذكر عظيم مقام الخلافة ومدح الخليفة وبيان بركاته على الإسلام والمسلمين
وقد كان ذلك من الشعراء وغيرهم ممن عرفه حق الخلافة في الإسلام هو الحق المبين جزاء لما يقوم به مولانا الأجل الأكرم من خدمة للأمة في لياليه حينما تتعاكس الأنوار السواطع من جبين الخليفة والشموس الزاهرات النواعم عندما يخرق صمت الليل لحنهن ليقوى بذلك أمير المؤمنين على مهامه تجاه الإسلام بتكثير نسل المسلمين لكي لا تصاب الأمة بأزمة من حيث عدد الأمراء والقادة فضلا عن ضرورة إنشاء ولي عهد بإبداع جديد يناسب الزمن مواكبة مع متطلبات الشعب و أبعاد الرسالة.
ومن تردد في مكانة مولانا أمير المؤمنين جهلا منه بحقائق الأمور أو لعمى البصيرة لبعد عن مهب الأنوار فاليذهب الى أصحاب علم اليقين و عين اليقين وحق اليقين ذوي البصائر الذين أشرق عليهم نور الحق فانبسطوا في مواطن البسط و انكمشوا في مواطن الإنكماش تلبية لأسماء الله عزوجل بسطا و قبضا عندما وجدوا القصر في بعض الأطراف أنسب بالحيطة والورع والطهارة والزكاة فشاهدوا عندها في محال طهر نفوسهم أمراء المسلمين جميعا في مواطن قدسهم
وإن كان المتأمل البصير يجد بوضوح أن تطلع أمير المؤمنين لمستقبل الأمة هو أوسع بكثير من أن يحدد بإطار خاص بل كان طموح مولانا وبقية أمراء المسلمين الذين سبقوه هو إنشاء أجيال من نسل الأمراء تكون قادرة على تحريك البنية التحتية للإقتصاد الإسلامي حتى لا تقف عجلة الحياة ولذا كانوا يدفعون دائما الأسواق الى تحرك مستمر بما يمدون به الأمة من شبيبة من الأسر الحاكمة قادرة على تحريك أعظم الأسواق ألا وهي أسواق النخاسين حتى لا تصاب أسواق المسلمين بالركود الإقتصادي فجزاهم الله عزوجل عن الإسلام والمسلمين خير جزاء المقربين
ولكن على الرغم من كل الجهود فإنما قد يتوصل اليه البصير من فيض جود أمراء المؤمنين طيلة هذه القرون ليس إلا بعض جداول جودهم وخدماتهم الإسلامية في حق الإسلام والمسلمين وإلا فسوف تجف الأقلام ولو مدها الله عزوجل بسبعة أبحر كما قال تعالى بالنسبة الى فيض جوده :(قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا)2
ومن أراد معرفة المزيد من خدماتهم فاليسأل الغيارى على دين الله عزوجل الذين ببصيرة الإيمان وفراسة اليقين كشفت لهم الحجب فوجودوا أكثر أمة محمد(ص)كفرة إلا الحكام وأتباعهم فأخذوا من العزيز القدير مفاتيح الجنان لأنفسهم ومن إهتدوا بهداهم من الحكام فدخلوا جميعا مع قادتهم من الحكام الذين أوجبوا طاعتهم على الأمة الى جنان الخلد ينعمون في جوار النبيين والصالحين,فهنيئا لهم جنة الخلد مع أئمتهم و ولاة أمرهم من الحجاج بن يوسف الثقفي وأمير المؤمنين يزيد بن معاوية وأضرابهم من العظماء الأبرار من قادة الأمة الإسلامية
آه آه لا أدري كيف أبعدنا سيلان القلم حينما أطلق له العنان فراح لينطلق في سماء العظماء والغيارى على دين محمد (ص)في قممهم العوالي ورفيع جنانهم, فأنسانا دار الخلافة مظهر العدل و العلم لرسالات السماء وقد راح يحتشد فيها بصفوفهم المتراصة ممثلوا الشعب وهم فقهاء دار الخلافة والخطباء الذين بحضرة أمير المؤمنين مستأذنين الدخول على ساحة قدسه على إختلاف طبقاتهم ليقوموا في محضره الشريف ببعض ما تملي عليهم ضمائرهم وما فرضه الله عزوجل عليهم في شرعه القويم تجاه مولانا أمير المؤمنين من طاعة في كتابه المجيد حيث يقول:(أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) 3وليس ذلك ببعيد عن سنة رسوله الكريم محمد (ص) القائل:(من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)وكيف لا يموت ميتة جاهلية وهو لا يعرف مولانا أمير المؤمنين ومن سبقه من ولاة الأمر كيزيد بن معاوية والمتوكل العباسي والكثير من حكام زماننا هذا أسكنهم الله سبحانه وتعالى فسيح جنانه لأنهم مظاهر شرع الله ورسّام سنن الأنبياء ,كما أرشدنا الى ذلك الغيارى على دين الله أصحاب مفاتيح الجنان الذين دخلوا الجنة لحبهم للقاء ربهم وتركوا ورائهم أمة محمد (ص)سنة وشيعة وراء الأبواب فضلا عن سائر البشرية لمّا وجدوا ببصيرتهم أن هؤلاء جميعا كفرة مبتدعين ولذا لم يطلبوا لهم من ربهم العفو والغفران,لا حرم الله سبحانه وتعالى الأمة بل البشرية من واسع علمهم ورقيق قلوبهم,فهم محالُّ رحمة الله سبحانه وتعالى التي وسعت كل شيء
ثم تكلم الخطباء بما يناسب المقام خطبا يشهد لها رفيع مقام الأدب وأظهر الفقهاء في تعابيرهم إستعدادهم المطلق لما تحتاجه الخلافة الإسلامية من الفتيا إعزازا لدين الله عزوجل خدمة للأمة وما عجز عن بيانه وإظهاره قوالب أدب الفقه أبدع في شرحه تقاسيم الوجوه و حركات اليدين بما يناسب المقام في دار الخلافة من إنبساط او انكماش تارة ومن تحريك للمحاسن على الصدر ومن غمض العينين أو استرخائهما تارة أخرى حين وجد الفقهاء أنهم مشمولون لنظرات أمير المؤمنين في بعض تطلعات أنفاسه يستطلع رضاهم ويستطلعون رضاه وبعد القيام بكل واجبات المدح والثناء أبلغ ممثلوا الأمة مولانا ما عليه الشعب من الرضا والولاء والسرور والإمتنان تجاه كريم قدسه وما يكنه الناس في طيات قلوبهم تجاه ولي أمرهم الميمون ظل الله سبحانه وتعالى في العالمين
وعندها هز الخليفة رأسه المبارك وتمايلت عمامته فبان جزء من شحمة أذنه اليسرى فاندهش الحاضرون لدقيق حركات مولانا وهو يعلو العرش,فأشار بعضهم لبعض بطرف عينه أنها حركة تدهش العقول تحكي في بطون أبعادها لذوي العلم عظيما من دقائق الفلسفة والعرفان يغيب عن كثير من السواد الأعظم فهم مفردات المراد منها حيث أحاط أمير المؤمنين بلطيف فعله الحاضرين علما بأنه واقف على حقائق الأمور وما عليه كافة الشعب من الرضى على اختلاف اطيافه ثم بادر مولانا يوصل الفعل بالقول بمزيد من العطاء ينثر جواهر الكلمات القصار المتراكمة على صدره الطاهر سفط العلم والحكمة مفيدا إياهم أنه لا يفكر ليله ونهاره الا بخدمة دين الله والشعب ونشر شرع الله سبحانه وتعالى في العالمين وهذا هو ما أهمه في طموحه لشعبه ودفع به الى التأخير في الظهور عليهم من قصور الخلد
ثم أمر لممثلي الشعب وهم الشعراء والفقهاء الذين بحضرته والخطباء ومشيخة العشائر الذين في دار الخلافة تكريما لهم بالهدايا,ليصبح التكريم متبادلا بين الحاكم والرعية تحقيقا لمكارم الأخلاق
فقدّم لهم المسؤولون مئات الآلاف من الدراهم والدنانير التي ورثها مولانا الخليفة من جدته لأمه وقد راعى بالعطاء كلا من المهدي اليهم ما ينسابه,كل ذلك رحمة من ولي أمور المسلمين بحال شعبه البائس الفقير ثم أشار كبار أعضاء حكومته الى الفقهاء الذين بحضرة الخليفة أنه لو كان بوسع أمير المؤمنين المزيد من العطاء لما حرمهم وابل فيضه ولكنهم دائما سيبقون تحت واسع عنايته لما هم عليه من خدمة الشعب والشرع ماداموا مستلهمين الأحكام بما يناسب الزمان والمكان من أنفاس خليفتهم المعز لدين الله المعتصم بحبله المتين سيف الله المسلول على أعداء الدين والأمة.
ثم أشار الخليفة بطرف حاجبه الأيمن لممثلي الأمة وعيونها الساهرة بالإنصراف ليخلوا بوزيرة المؤتمن على العباد والبلاد.
فراحا معا يمشيان في حدائق القصور وجنانها بسبق قدم لأمير المؤمنين ليتجلى الأدب والتواضع في خطى الوزير بأزاء ولي النعمة تحقيقا لما حكم به العقل من لزوم شكر المنعم وكيف لا يكون ذلك وهو ولي أمور المسلمين وحامي حماها وراعي مصالحم بفراسة تشخيص مصلحة النظام التي لا يحضى بها الا ذو حظ عظيم.
وبينما هما يسيران وتعلوا البهجة عليهما التفت الوزير لولي نعمته الميمون متصاغرا على الرغم من عظيم خدماته قائلا:إن أذن لي سيدي أمير المؤمنين أطال الله سبحانه وتعالى عمره الشريف ولا حرمنا والإسلام والمسلمين من واسع بركاته وفيضه وعظيم حكمه أنبأته وهو العالم,ببعض المستجدات من الأحداث إن رأى مولانا الوقت مناسبا لذلك.
فقال له الخليفة:قل ما بدى لك يا وزيرنا فإنك الرشيد المؤتمن على مصالح الأمة الذي خبرناه في شدائد الأمور حين ورودها ومن لا يؤخر بيانها عن وقت حاجتها ولا ينكمش حين انحدار سهام رميها جريا مع سبل قضائها وقدرها.
فقال الوزير:حمدا لله تعالى على جسيم آلائه ونعمه على هذا العُبيد الذي جعله الله سبحانه وتعالى محلا لثقة مولاه وسهما من سهامه,فأخبركم يا مولاي إن جندكم جند الإسلام قد قبضوا على شرذمة من المنحرمين الخونة الكفرة الروافض المرتدين بعون الله سبحانه وتعالى وبركة أنفاسكم التي يستمد منها غلمانكم الأشاوس بعدما قتلوا الكثير من هؤلاء الكفرة وسبوا نسائهم وأسروا ذراريهم وما كان ليحصل يا مولاي ذلك كله لولا فضل ارشاداتكم وفتوى من يرعون مصالح الأمة من فقهاء تنوروا بنور عرفانكم لخدمة الدين والكيان الإسلامي القائم تحت رعايتكم.
فيا سيدي إن هؤلاء الخونة الروافض كانوا يؤججون نار الفتنة الطائفية بين الأمة ليشقوا صفوفها المتراصة المتوحدة تحت رايتكم داعين إلى مذهب التشيع بإمامة علي بن أبيطالب وأبناءه من آل الرسول وما أدري يا مولاي ماذا يزيد هؤلاء الذين أعمى الله تعالى بصائرهم؟!
فهلا يشاهدون كرمكم وجودكم على من يقصد مجلسكم المبارك من العلماء والشعراء والأشراف والأعيان ممثلي هذه الأمة؟ وهلا يرون عدلكم ونشركم للدين واهتمامكم بذلك وها أنتم تغزون البلاد وتأسرون وتغنمون وقد ملئت بعون العزيز القدير الأسواق من الرقيق والجواري والعبيد كل ذلك إعزازا لمثل الإسلام وقيمه وذلاً لأعداء الله تعالى حتى أصبحت يا مولاي أسعار الرقيق لكثرة من يؤسر تتدانى كل يوم في الأسواق فضلاً من الله تعالى بحال العباد.
فأجابه أمير المؤمنين وولي أمور المسلمين ورئيس تشخيص مصلحة النظام الإسلامي المبجل قائلا: هؤلاء كما قلت يا وزيرنا وإن أعمى الله تعالى بصائرهم وحرمهم من مشاهدة مجلسنا لسوء توفيقهم لكنهم بالقطع واليقين قد بلغهم ما نحن عليه من الأفضال على المجتمع سخاءً وجوداً وما نحن عليه أيضا يا وزيرنا من واسع الرحمة على من تحت أيدينا من الحسناوات النواعم اللواتي ملكنا قوامهن بفضل المجاهدين في سبيل الله ملك يمين وقد جعلناهن في خير نعمة في القصور ينعمن بكل ما آتانا الله تعالى من فضله ولم نعمل في حق هذه القوارير اللواتي كأنهن مظاهر نور الله تعالى حيث يقول: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكوة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم)4 إلا الطيب والرفق والحنان.
فاستشعر الوزير أن مولانا الخليفة إكتفى بما قام به جند الله الميامين بما لا مزيد عليه من القمع والتنكيل لأعداء الله والأمة وأنه يريد أن يقضي هذه اللحظات في حدائق القصر بعيدا عن المجاملات والرسميات وذلك حينما وجد الوزير تقاسيم وجه مولانا تبدلت من الجد إلى الهزل وأن البسمة علت على محاسن وجهه المبارك.
فضحك الوزير لظرافة مولاه الخليفة حتى كاد أن يقع على قفاه إلى أن أشار إليه مولانا بأنه كفى فعاد الوزير إلى صمته وأدبه السابق المألوف بين يدي الخلفاء مظاهر عز الله ورسام خطى الأنبياء.
ومن بعد ما قضى الخليفة بعض الوقت بعيدا عن السياسة مع وزيره يتجول بين الحدائق والقصور والأنهار عاد فجأة دفعة ثانية فقال: وأما إتهام هؤلاء الروافض إيانا بالإستبداد والكبت وقد راحوا يشكلون كفة معارضة طيلة القرون لمن أمر الله تعالى بطاعتهم
الصفحات [1] [ 2] [ 3]